الاثنين، 17 يناير 2011

شبح المطر (قصة قصيرة) ..


(بقلم / عبدالله الشلماني )

( 1 )

- صباحٌ رائع ..
همست بها وأنا أطلق العنان لبصري من خلال زجاج نافذة السيارة المغلق بينما كنت متجهاً للعمل في ذلك الصباح الشتوي البليل ، كان البرد يومها قارساً كما هي عادته في مثل هذه الأيام من شهر شُباط فبراير من كل عام .
لم تكن الساعة حين بدا لي من على بُعدٍ يلوِّح للسيارات المارة ، قد تجاوزت الثامنة صباحاً ..بدا لي منظره مألوفاً تماماً كأي معلم من معالم الطريق التي أمر بها بسيارتي صباح كلِ يومٍ في طريقي إلى العمل .. بدا مألوفاً تماماً كأشجار "اليوكاليبتوس" العملاقة عند المنعطف ، وكأطلال المنـزل الإيطالي المهجور على يمين الطريق ، وكشرطي المرور الواقف عند حاجز التفتيش .. المطر ينهمر على الإسفلت بغزارةٍ وكأنه خيوطٌ متصلةٌ بين الأرض والسماء .. ومن حين صحوت عند أول نورٍ للفجر والرعد يقصف بشدةٍ وعنفٍ كما لم يكن قط في أي عاصفة مضت .. الأمر الذي ساعدني على النهوض باكراً من الفراش بشيء من الإرتياح ، ذلك أنني أدركت ببساطةٍ ، أن النوم لن يطيب لي مع هذه الرعود المدوية بحال .. وذلك بخلاف كل يومٍ ، حيث أصحو متذمراً متثاقلاً ألعن الساعة التي اخترع فيها الإنسان شيئاً اسمه الدوام .. في عجالة ، بدلت ملابسي .. تلحفت بمعطفي الشتوي الثقيل بعد أن احتسيت فنجان قهوةٍ ساخناً ، كانت أمي قد أعدته لي وأنا جالس بجوارها في المطبخ أراقب انهماكها واستمتاعها بإعداده وهي تحدثني كعادتها كل صباح .. حدثتني بإطنابٍ وشرحٍ كامل التفاصيل ، عما دار البارحةَ في مأتم جارنا العجوز من أمور . حيث تسرد بالتفصيل مدى حمق تلك " الجرباء " – على حد تعبيرها – عجوز عيت "الزروق" . ومدى بلاهتها وتعجرفها وتبجحها بمهر ابنة أختها الثمين ، وبرهنت لي أمي على صحة رأيها بمثـلٍ أسمعه للمرة الأولى :

- (( القوبة تزَّاين بشعر بنت خالتها ))
كما تناولت بالنقد كيفية إعداد الشاي الذي " ماتقدر تذوقه " في ذلك المأتم على نحوٍ لم تكن راضيةً عنه ولاموافقةً عليه .. وأنا أمام هذا السيل من الإنتقادات والتحليلات ، لاأملك إلا أن أستمع لا بل أن أبدي تأييدي لملاحظاتها حتى لا يطول مسار الحديث .. وبصعوبة .. استطعت بشيء من اللباقة أن أنسحب من ذاك الحوار بأن أقحمت فيه طرفاً ثالثاً هو شقيقي الذي أفاق لتوه من النوم واضعاً المنشفة على كتفه ولم يشطف وجهه بعد . حيث جعلتها بشكلٍ أو بآخر تتوجه بالحديث إليه لأخرج أنا مسرعاً وأستقل سيارتي متوجهاً إلى العمل .

( 2 )

شيئاً فشيئاً ، اقتربت بسيارتي من ذلك الرجل الواقف على جانب الطريق . وكلما اقتربت منه ، كلما تبين لي أكثر وأكثر بأنه أبداً ليس بالمألوف كما اعتقدت للوهلة الأولى . بل على العكس كان يبدو كلما اقتربت منه ، أكثر غرابةً وسطَ كلِ هذا الصخب . ردَّدت بيني وبين نفسي :
- ياإلهي .. من هذا الذي يجرؤ على الوقوف ههنا في مثل هذا الجو العاصف ..
خففت من سرعة السيارة التي لم تكن مسرعةً أصلاً بسبب غزارة المطر . وبمجرد أن وقفت بجانبه ، ارتمى على مقعد السيارة في لمح البصر مفلتاً من البرد والصقيع كأنما يفلت من براثن وحشٍ كاسر .
- صباح الخير ..
وجَّه ناظريه إليَّ وأطلق هذه العبارة مع سحابة كثيفة من البخار ، مختلطةً مع سحابةٍ أخرى لاتقل عنها كثافةً من التبغ . فرددت بدوري التحية وأنا بالكاد أميز ملامح وجهه وسط تلك السحابة البيضاء . كان رث الملابس ، تبدو عليه أمارات العوز . سروال مهتريء من الكتان الأصفر ، كنـزةٌ من الصوف انفرط نسيجها حتى بدت مثل كومة قش . ويمكن – بعد جهد جهيد – تمييز أن لونها يميل إلى الزرقة ، ولكن الغريب أنه كان ينتعل حذاءً جديداً جميلاً يشكل مع جملة ما يرتديه نشازاً ، تماماً مثل لوحة تجريدية تجمع كل النقائض في إطار واحد . ويبدو من رأسه الأشيب وتجاعيد وجهه التي بدأت تتضح بالتدريج مع انقشاع سحابة التبغ والبخار ، أنه ربما قد تجاوز الستين .. وفي محاولة مني لأن أفتح معه حديثاً يكسر ذلك الصمت المحرج الذي يسود اللقاءات دائماً عندما لا تريده ، رأيت أن أسأله عن اسمه ، لعلي أستنبط من إجابته شيئاً يدلني على ماهية هذا الرجل الذي لم أشكَّ للحظةٍ منذ أن نظر إلىَ بعينيه المغرورقـتين بأنه لغزٌ كبير . سألته :
- من أنت ياسيِّد ؟
فأجاب بعد أن سحب نفساً طويلاً من لفافة التبغ المبللة ، ثم نفثه بطريقةٍ تنم عن أسىً وحزنٍ كبيرين :
- إن كنت تسأل عما يجب أن أكون عليه فأنا كل شيء تقريباً ، أما إن كنت تسأل عن واقعي فأنا لاشيء ..
ثم أشاح بوجهه عني ناظراً عبر النافذة الزجاجية على يمينه ، وبالرغم من أن زجاج النافذة كان معتماً لايكاد يشِف عن شيءٍ بسبب ما تلبد عليه من بخار ، إلا أنه أطال وأمعن النظر من خلاله وكأنه يرى من خلاله الدنيا بأسرها .. تساءلت بيني وبين نفسي ثانيةً :
- رباه .. من هذا الذي ابتليت به في هذا الصباح ؟
ثم دارت في خلدي تساؤلات :

- أسأله من أنت ؟ فيجيب بكلمات كأنها الشعرُ أو الفلسفةُ أو شيءٌ من تمتمة الكهان والسحرة، ترى هل هو مجنون ؟ لعمري ما أظنه إلا أفلاطون هذا الزمان.
لكنني توصلت بعد تفكيرٍ لم يدم طويلاً ، إلى أن هذا الرجل ليس بالرجل العادي كائناً من كان . وعاد الصمت من جديد ..

( 3 )

... عبر الطريق ، كنت أسارقه النظر بين الفينة والفينة . ومع كل نظرةٍ يزيد الرجل في عينيَّ هيبةً وجلالاً وإبهاماً في آنٍ معاً .. مع كل نظرةٍ منه إلىَّ أو مني إليه ، ترتسم علامات الإستفهام والتعجبِ ، بل وحتى النقاطُ والفواصلُ وكل علامات الترقيم .. من هذا ..؟ أشبحٌ هو .؟ لابد أنه شبح .. أمعقول هذا ..؟ ولكن لم يمر بي يوماً أن الأشباح تظهر في النهار .. تملكتني الحيرة .. توترت .. أفكارٌ سخيفةٌ بدأت تراودني وأخرى مرعبة .. وهو يرمقني كل قليلٍ بذات العينين المغرورقتين وتعلو وجهه ابتسامةٌ هي أقرب ما تكون إلى ابتسامة الشماتة ، أجل .. تبدو عليه الشماتةُ ، وكأنه لاحظ مدى ارتباكي وتوتري ..
وكما هي عادتي في كثيرٍ من الأحيان ، أردت أن أتحاذق وأتذاكى وأن أظهر مدى تماسكي وسيطرتي على الأوضاع . وذلك بأن مددت يدي إلى منفضة السجائر لأسحبها كنوعٍ من الدبلوماسية و" الإيتيكيت " ، حتى يتسنى له إطفاء عقب سيجارته فيها . والواقع أنني ما فعلت ذلك إلا لمجرد أني أردت أن أظهر بمظهر الواثق الذي لايعيره اهتماماً ، ولأخفي ما بات جلياً أنه بدا عليَّ من التوتر والإرتباك . وفجأةً ، وأثناء ذلك ، انطلق بقربي انفجارٌ مدوٍ ارتعدت له فرائصي وكدت معه أن أفقد السيطرة على عجلة القيادة .. فضلاً عن فقدان السيطرة على الأوضاع كما حاولت أن أظهر . لأكتشف بعد ثانية واحدة ، أن الإنفجار ما كان إلا سعلةً قوية انطلقت من صدر العجوز القابع بجواري .
وبعد أن استقرت سيارتي المترنحة على الطريق من جديد ، نطق الرجل الكهل بصوتٍ رخيمٍ :
- لاتخف يا أستاذ .. خذ حذرك ..
ثم ابتسم ذات الإبتسامة الشامتة . وسرعان ما اكتشفت أيضاً أن سعلته تلك كانت زائفةً ومفتعلة ، وأن غرضه منها كان إفزاعي والسخرية مني ومن تحاذقي ..عندها ، شعرت بخليطٍ من النقمة وخيبة الأمل في الوقت ذاته . ثم قلت لنفسي :
- لاعليك ياهذا هديء من روعك ، إن هذا الرجل هو كأي رجل ، كل ما في الأمر أنك منفعلٌ ومضطربٌ قليلاً ربما لأنك صحوت باكراً ولم تنل قسطاً وافراً من النوم ..
استجمعت قواي وبقيةً من رباطة جأشي .. تنحنحت .. وزمَمْتُ شفتيَّ بشيءٍ من الإستعلاء في محاولةٍ بائسة للتظاهر باللامبالاة . سألته :
- إذاً لابد أنك ذاهب للعمل .. ما عملك يا حاج ؟
فأتى الجواب أكثر غرابةً وإ بـهاماً من الجواب الأول ، حيث قطب ملياً ثم أطرق وقال :
- صناعة البشر ..!!
.. سمَّرني جوابه في مقعدي من الإرتباك .. لولا أنه أردف :
- لالا .. أستغفر الله ، صناعة البشر هي بيد الله وحده .. بل عملي هو صياغة البشر ، أجل صياغة البشر .. وليس من المستبعد أن تكون أنت ممن صُغتهم ذات يوم ..!!
وهي هي ، ذات الإبتسامة الشامتة تعلو محياه من جديد . وهو هو ، ذات الشعور المختلط من النقمة وخيبة الأمل يملأني ويغوص فيَّ حتى النخاع . تمنيت أن تنتهي الطريق بسرعةٍ أو أن تتحول السيارة إلى صاروخٍ يصلُ بي في ثانية واحدة إلى حيث يريد هذا العجوز البغيض ، عسى أن أتخلص منه إلى الأبد . تصاعد في صدري الشعور بالحنق والغضب .. الدم يغلي في رأسي .. أكاد أسمعه يغلي .. رحت أتخيل أنني ممسكٌ بتلابيب هذا الشبحِ " أعني الرجلَ " وأقذف به خارج السيارة وأدهسه بعجلاتها . غمرتني هذه التهيؤات بنوعٍ من تنفيس شحنة الغيظ والشعور بالتشفِّي ، مما دفعني لأن أتخيل أبعد من ذلك . حيث رحت أتخيل أنني أشده من كلتا أذنيه وأسدد له ضربةً من ركبتي إلى أسفل بطنه كما في أفلام " الكاوبوي " ، وأنني أكيل له اللكمات .. والصفعات .. والركلات .. ثم ..
... ثم أفقت من تهيؤاتي وتخيلاتي على صدى صوت بوق السيارة ، حيث يبدو أنني سددت لكمةً إلى الزر الذي يشغله فوق المقود ، أثناء استغراقي في تلك المعركة الإفتراضية ، بدلاً من تسديدها لأسفل بطن العجوز..! وهنا ، نظرت إلى الشبح "عفواً إلى الرجل" فإذا به هذه المرةَ يضحك ملء فمه وهو يقول :

- إهدأ يا رجل فأنا لم أكذب عليك في شيءٍ صدقني . أنا كلُ شيءٍ حقيقةً ، وأنا لاشيءَ واقعاً وثق أن عملي هو صياغة البشر ، تشكيل البشر ..

قالها ضاحكاً بعاطفةٍ جياشةٍ ، تخلى فيها عن إبداء روح السخرية والشماتة ، وكأنه أشفق عليَّ مما أنا فيه . وأضاف راغباً في طمأنتي :
- سنصل قريباً إلى مقر عملي ..
.. شعرتُ بنوعِ ارتياحٍ وهدوء .. إرتياحٌ وهدوء دفعاني إلى التذاكي من جديد ، وإنما بيني وبين نفسي هذه المرة وليس أمام الرجل ، فمن الواضح أن نتيجة التذاكي على هذا الرجل معروفةٌ سلفاً . أردت التذاكي بيني وبين نفسي فطفقت أهمس :
- إن إنساناً من هذا النوع قادرٌ على أن يتلاعب بانفعالاتي ومشاعري وردود أفعالي كيفما يشاء ، يثيرني مرةً ، ويُفزعني أخرى ، ويحيرني الثالثةَ ، ثم يعود ليُهدأني ويطمأنني ويبعث فيَّ شعوراً من الحميمية مرةً رابعة ، إنسانٌ من هذا النوع ، لابد أنه طبيبٌ نفسي ، فهم وحدهم الأطباء النفسانيون هم القادرون على مثل هذا . كما أنهم عادةً يبدون غريبي الأطوار كما هي حالُ هذا الرجل . غير أن علامات الإستفهام والتعجب الأولى عادت لترتسم أمام ناظريَّ من جديد . إذ كيف يكون الطبيب النفسي هو كل شيءٍ حقيقةً ، ولا شيءَ في الواقع ؟ بل كيف يصوغُ الأطباء النفسانيون البشرَ ويعيدون تشكيلهم ؟ ثم إن الأطباء هنا معروفون ، وهم عادةً ميسورو الحال وفي رغدٍ من العيش ، وليس كما يظهر هذا العجوز .
عجوز؟! .. حقاً .. ولكنه رجلٌ عظيم ، نعم عظيم .. هذا ما اقتنعت به من الصميم وعلى الرغم من كل شيء .. أياً كانت ماهية هذا العجوز وأياً كانت وظيفته أو مهنته فلا ريب أبداً أنه رجلٌ غير عادي .. سواءٌ كان مجنوناً أم طبيباً أم ساحراً أم شبحاً أم أي شيء .. المهم هو عظيم .. ولقد كان الرجل صادقاً . فمقر عمله لم يكن بالفعل بعيداً .. إذ ما هي إلا مسافةٌ قصيرةٌ حتى أشار إليَّ بيده أن توقف ، فتوقفت .. التفتَ الشبحُ - أعني الرجلَ - ناحيتي وهو يفتح باب السيارة قائلاً :
- أعذرني إن كنت قد أزعجتك بغموضي وغرابتي ، فهذا أمرٌ يقول الناس أنه صفةٌ ملازمةٌ لي .. شكراً على كل شيء ..
ومدَّ إليَّ يده ليصافحني .. فشددت على أنامله النحيلة بحرارة . حرارة من يشد على أنامل رجل عظيمٍ بكل المقاييس .
أغلق باب السيارة وراءه ، وبقيت أنا داخل السيارة مأخوذاً . أنظر إليه وهو يمضي بخطوات ثابتةٍ ملؤها الثقة .. دخل إلى مقر عمله .. وعند هذه اللحظة بالذات ، أيقنت فعلاً وبما لا يدع مجالاً لأي شكٍ ، أن ذلك الشبح الرجل ، أو الرجل الشبح ، هو كل شيءٍ في الحقيقة ، وأيقنت كذلك أنه وبكل أسـفٍ وبـكل مرارةٍ وحرقة ، لا شيءَ في الواقع الذي نحياه . أيقنت أيضاً أنه هو ، وهو لوحده ، من صاغني ، وأعاد تشكيلي ، كما صاغ وأعاد تشكيل كل الآخرين ..! أيقنت كل هذا بمجرد أن دخل ذلك الشبحُ إلى مقر عمله .. حيث لم يكن مقر عمله ذاك سوى مدرسةٍ ابتدائيةٍ متشققةِ الجدران .. وحيث لم يكن ذلك الشبح إلا معلماً من الرعيل الأول ..!؟

هناك 3 تعليقات:

د. سالم يقول...

أحسنت يا أخي عبد الله وعودة حميدة.
هكذا أنت دائماً لقد ذكّرتني بمعلمتي بالابتدائية كم كانت معلمة فاضلة لا أنساها أبداً ولاأنسى عطفها وحنانها ورحمتها ورأفتها بنا يوم أن كنا صغاراًَ، لقد توفيت أسأل الله تعالى أن يسكنها فسيح جناته آمين.

عبده العمراوى يقول...

شركة الصفرات للتنظيف بالرياض
شركة تنظيف بالرياض

شركة الصفرات لتنظيف الفلل بالرياض

شركة الصفرات لتنظيف الشقق بالرياض

شركة الصفرات لتنظيف المنازل بالرياض

شركة تنظيف منازل بالرياض
شركة الصفرات لتنظيف الخزانات بالرياض

شركة الصفرات لتنظيف القصور بالرياض


شركة الصفرات لتنظيف المجالس بالرياض

عبده العمراوى يقول...

شركة الصفرات لتنظيف الموكيت بالرياض

شركة الصفرات لعزل الخزانات بالرياض

شركة الصفرات لرش المبيدات بالرياض

شركة الصفرات لمكافحة الحشرات بالرياض

شركة الصفرات لكشف التسربات المياه بالرياض

شركة عزل خزانات بالرياض

شركة الصفرات لنقل الاثاث بالرياض

شركة الصفرات لنقل العفش بالرياض