السبت، نوفمبر 14، 2009

الساحة الثقافية بخير .. ولكنها تعج بالمتسلقين والأشباه !؟


الساحة الثفاقية بخير .. ولكنها تعج بالمتسلقين والأشباه
حوار لـ ( صحيفة قورينا ) مع : عبدالله الشلماني
في عددها الصادر يوم الإثنين 3/8/2009 م
حاوره / جمال الخراز
هناك أسماء لا نستطيع إلا أن تقف لها إجلالاً وإكباراً رغم قصر عمرها الأدبي والإبداعي بالنظر إلى ما تجود به الساحة الأدبية والثقافية الليبية . ولكن يظل اسم مثل اسم ضيفنا مميزا في كل شيء.. سواء في أفكاره أو أسلوب تناوله أو الغزارة في مفرداته اللغوية . لدرجة تذهلك وتثير إعجاب الجميع .. كيف لا وهو الأديب الشيخ .. رغم أنه لم يتعد الأربعين وقد حصل على العديد من الجوائز المهمة وإنتاجه الأدبي الشعري والقصصي يجد الإقبال والرضا من المتلقي حيثما قدمه .. لهذا سررنا جداً بمقابلته وتقديمه لقراء قورينا وإن كان ليس بالغريب عليهم ..
أستاذ عبد الله الشلماني .. حدثنا عن بدايتك الشعرية لكي تكون مدخلا منطقيا لما سوف نسأله لاحقاً .
- البداية الشعرية ؟
بدايتي الشعرية كانت مبكرة إلى حد ما . ذلك أنني نشأت في أسرة تحب القراءة ولها مكتبة عامرة بالكتب ومن ضمنها دواوين الشعر فتولدت لدي محبة الشعر نتيجة لذلك .. وأول محاولاتي لنظم الشعر كانت في المرحلة الثانوية وهى لم تكن ناضجة بالتأكيد لكونها بداية لطالب قصير الباع وقليل الخبرة والتجربة .
ـ أيهما أقرب إليك الشعر أم القصة ؟
بصراحة ومع شغفي بالشعر كما ذكرت سابقاً إلا أنني أجد نفسي ميالاً للسرد عامة وللقصة على وجه التحديد . ذلك أنني أجدها وإلى حد ما تشبه القصيدة من حيث أنها تستفز الذهن والقريحة لاختزال المعاني والخواطر والأفكار في مساحة محدودة وعلى نحو إبداعي محكم .. لذلك تجدني مقلاً في الشعر على حساب القصة التي أجد نفسي وأثبت نفسي فيها أكثر من غيرها .. القصة كائن جميل .. نعم .. كائن جميل .. إنها مختصرة .. رشيقة .. كالحلم أو كالطيف .. يسري أمامك بسرعة ولكن يترك أثراً جميلاً . هكذا أراها .
ـ هل لديك ديوان مخطوط ؟
أما ديوان فلا .. لكن مجموعة قصصية نعم .. لدي مجموعة قصصية بعنوان " الجري في منطقة الظل " تقدمت بها لنشرها عبر مجلس الثقافة العام .. لكن يبدو أنها أهملت أو أنها لم تلق القبول والاستحسان من القائمين على المجلس .. على كل حال موضوع النشر في بلادنا موضوع شائك طالما تجنبت الحديث فيه لكي لا " يزعل " مني أحد !
- كيف ترى التعامل الأدبي مع المواقع الإلكترونية ؟
لقد كانت المواقع الإلكترونية هى الكوة التى يتنفس منها الكتاب والأدباء الشباب عبر جدار الإقصاء السميك الذي تفرضه عليهم مؤسسات الثقافة الرسمية . على الرغم من تحفظاتي على كثير من تلك المواقع من حيث أنها " لا ترد يد لامس " فتنشر الغث والسمين .. مما صارت معه السلعة الأدبية النفيسة تعرض جنباً إلى جنب مع" أشياء" مضحكة مما ذهب بكثير من بريقها ورونقها .
- كيف تري الساحة الثقافية في ليبيا ؟
الساحة الثقافية عندنا بخير .. لكن المقلق أنها تعج بالمتسلقين والأشباه .. وأنهم وبكل أسف هم من يمثل الساحة في كثير من تجلياتها .. وأنا لا أقصد هنا أحداً بعينه .. لكن عندما تأتي أنت لحضور مهرجان أو تظاهرة وتجلس لتستمع إلى المشاركات التى تم اختيارها دون غيرها سوف تعرف بالضبط ما الذي أعنيه .. وأعدك ـ لو كنت محباً للأدب ـ بأنك سوف تعود لبيتك مريضاً مصاباً بالصداع والاكتئاب .
- كيف تقيم تجربتك الصحفية ؟
بصراحة تجربتي لا تزال قصيرة في مجال الصحافة .. مع أنني مارستها كاتباً ومحرراً في بعض الصحف المحلية ومارستها في مجال المسموعة معداً ومقدماً للعديد من البرامج وعبر المرئية مراسلاً لقناة " الليبية " الفضائية في مدينتي " مدينة المرج " هذا بالإضافة إلى النشر عبر المواقع الإلكترونية وعبر مدونتي الخاصة على شبكة المعلومات " أرشيف الزمن" .
لكن أعود فأقول يجب الانتظار لمدة أطول حتى أتمكن من تقييم التجربة بشكل أكثر نضجاً وموضوعيةً .
- ما هو أهم أعمالك الإذاعية المسموعة ؟
بحكم أنني نشأت في أسرة ريفية بدوية محافظة فإن روح المحافظة والكلاسيكية تملكتني إلى حد كبير .. وهذا ينعكس على أعمالي الإذاعية أيضاً ..فأنا أقدم برامج شرعية ودعوية عبر إذاعة المرج المحلية .. ولكن لا أعتبر أنها أهم أعمالي هناك .. حيث أرى بكل تواضع أنني " أبدعت " في برنامج اسمه ( حوار في قضية ) وذلك حسب ما يراه كثير من المستمعين أيضاً .
- لمن يقرأ الشلماني ؟
أنا أقرأ للجميع .. ولم يسبق أنني رفضت قراءة شيء بسبب اسم كاتبه فأنا لا أحكم على الكتابات من خلال أسماء كتابها .. وإنما أحكم على الكتاب من خلال نوعية كتاباتهم .. ولعل الصيغة الأنسب ـ من وجهة نظري لهذا السؤال هى : " لمن يحب أن يقرأ الشلماني " . وهنا أقول إنني أقرأ للعديدين على الساحة المحلية والعربية والدولية .. غير أنني وفي الآونة الأخيرة بدأت تركيز قراءاتي على تجربة الكتاب " الشباب " على الساحة المحلية .. تأثرت كثيراً بقراءاتي في أدب الصادق النيهوم مع تحفظاتي على كثير مما كتبه رحمه الله .. تأثرت كذلك بإبراهيم الكوني .. على مصطفي المصراتي .. أحمد يوسف عقيلة .. عبد الرسول العريبي .. وآخرون كثر .
- إطلاعك الديني العميق هل له تأثير على إنتاجك الأدبي ؟
سؤال مهم بارك الله فيك .. وأقول هنا أنه وبخلاف قول الكثيرين بأن الدين هو خلاف الإبداع ، فإن الدين هو أساس الإبداع لأن الإسلام " حب " .. والحب لا يحتاج مني لأن أشرحه للناس لكي يفهموا أنه جوهر الحياة كلها .. والفضيلة كلها .. والنقاء كله .
- من يعجبك من الكتاب الليبيين ؟
أنا أفخر بكل المبدعين الليبيين القدماء والمحدثين .. لكن ربما بسبب تشابه البيئة التى عشت فيها وعاش فيها " أحمد يوسف عقيلة " فإنني أقدمه على غيره مع حفظ الحب والاعتزاز بالجميع .
- أصعب موقف أدبي تعرضت له ؟
إنه يوم أن بعثت بإحدى كتاباتي لمطبوعة محلية فردوا في معرض تبرير رفضهم لنشرها أنني " نكرة على الساحة " دون أن يقرأوا ما كتبت ولو مجرد القراءة ..
" سامحهم الله " .
- هل تعرضت لسرقات أدبية ؟
على حد علمي إلى الآن ( لا ) .. ربما لأن كتاباتي ليست من الأهمية ولا من الإبداع بمكان ، لدرجة أن لصوص وقراصنة الأدب زهدوا فيها .
ـ أيهما أهم لديك : الفكرة أم القافية ؟
حبذا لو اجتمعتا معاً .. لكن لو أن حضور إحداهما لابد أن يكون على حساب الأخري فإنني أقدم " الفكرة " على أي شيء آخر .
ـ سؤال تود الإجابة عنه ولم نسأله ؟
ـ تمنيت لو أنك أخي جمال قد سألتني : " لماذا تكتب ؟ "
رغم أنني لا أملك الإجابة عنه .. وهناك إجابة تقفز إلى ذهني كلما سألت نفسي هذا السؤال وهى مرعبة ومزعجة ولا أتمنى أن تكون هى الحقيقة .. هل تعلم ما هى أخي جمال ؟ إنها " لكي أنال الشهرة " . أرجو ألا تكون هى الحقيقة .. رغم أهمية الشهرة وشرعيتها لمن يستحقها .. لكن لا أتمنى أن تكون هى الدافع عندي للكتابة ..
- ما هو جديدك ؟
مجموعة قصصية جديدة آمل أن تجد من يسعى معها لكي ترى النور .
ـ كلمة أخيرة ؟
شكراً جزيلاً لكم لقد كنتم أول من أهتم وأجرى مقابلة معي .. وهذا يعني لي الكثير وسيظل يعني لي الكثير . شكــــراً لكـــــم .

الجمعة، نوفمبر 13، 2009

مذكرات راقد ريح





بقلم / عبدالله الشلماني

( الخيبات المتناسلة )
كلمة " باتي " في لهجتنا الدارجة بشمال شرق ليبيا ترادف بالفصحى كلمة " أبي " .. وربما – أقول ربما – تحورت عن كلمة " أبتي " الفصحى أيضاً والتي تحمل نفس الدلالة مع زيادة في معنى التودد للأب والتحبب إليه حين مناداته .. إذاً فكلمة " باتي " في العامية هي كلمة " أبتي " في الفصحى ولكنها ( مبعثرة ) كما يحلو للصحف والمجلات أن تقول في لعبة الكلمات المتقاطعة ..
ما جعلني أتوصل إلى هذا الإكتشاف اللغوي " العظيم " هو طول التأمل في هذه الكلمة عندما كنت جالساً على عتبة بيتنا وسمعت أطفال جارنا يرددونها بمجرد رؤيتهم لسيارة أبيهم قادمة من مدخل الشارع فانطلقوا صوبها كالصواريخ وهم حفاة يعيدونها ويكررونها بصوت جماعي واحد ومموسق على طريقة التقطيع العروضي للشعر :
- ( با .. تي .. جا .. ) ، ( با .. تي .. جا .. ) ، ( با .. تي .. جا .. ) .
أي بمعنى : ( أبتي جاء ، أبتي جاء ) .. أجل .. كان هذا هو التحليل اللغوي لما قاله أولئك الأطفال .. لكنني تساءلت بعده عن التحليل " النفسي " لفرحة أولئك الأطفال وعَدْوهم نحو أبيهم بتلك الطريقة العجيبة وعن سر سعادتهم برؤيته قادماً .. وقد أجابني جارنا عندما سألته بهذا الخصوص فكانت إجابته بالنسبة لي اكتشافاً لا يقل عظمة عن " الإكتشاف اللغوي " .. ولكي أجعلكم تعيشون معي الحدث كاملاً فسأعيد الشريط إلى الوراء لنبدأ من البداية :
- ( با .. تي .. جا .. ) ، ( با .. تي .. جا .. ) ، ( با .. تي .. جا .. ) .
السيارة تتوقف .. يُفتح باب السائق .. يترجل الأب فيما يتدافع الأطفال إلى الداخل من ذات الباب وفي نفس الوقت تقريباً .. يخفت صخب الأطفال رويداً رويداً ويتلاشى والأب واقف يتأملهم صامتاً .. ينزل الأطفال في صمت أيضاً .. يعود الجميع إلى داخل البيت في موكب صامت .. واجم .. ثمة خيبة أمل بدت واضحة على وجوه الأطفال والوالد معاً .. قبل أن يدخل جارنا لبيته ناديته لأستفهم :
- " بو جار ؟ .. شنو الجو ؟ " .
التفت .. تردد قليلاً .. ثم يبدو أنه حسم الأمر وقرر المجيء نحوي .. همس متنهداً وهو ينفض مكاناً على العتبة ليجلس بجواري :
- " شنو الجو ؟ " .
.. بعد محاورة مقتضبة مع جارنا فهمت أن الأطفال كانوا بانتظاره ليحضر لهم هدايا النجاح بالمدرسة والتي وعدهم بإحضارها فور قبض الراتب .. وهي – للعلم – مجرد ألعاب بسيطة .. بالونات ملونة ومسدسات بلاستيكية لرش الماء لا يفوق ثمنها كلها العشرة دنانير .. وفهمت أنه رجع من المصرف خائباً تماماً كخيبة الأطفال عندما لم يجدوا الهدايا داخل السيارة لأن المرتبات تأخرت في النزول عن وقتها المحدد لأكثر من أسبوع .. دخل جارنا إلى البيت يجر رجليه جراً وقد نودي لتناول الغداء .. وبقيت أنا أفكر وحيداً على عتبة البيت .. تأملت ملياً في سر هذه العبودية المقيتة والرق المخزي للوظيفة في بلادنا .. حاولت العثور على إجابات لتساؤلات كثيرة أخذت ترتسم في ذهني .. خلصت في النهاية إلى أننا – ومع قلة عطائنا وتفانينا – لا نتقاضى من وظائفنا ما يوازي همّ عبوديتنا لها ورِقّنا لراتبها .. لو كان الراتب مجزياً لأمكن لأحدنا على الأقل أن يحتمل " ثقالة " المدير حينما يمارس شعائره وطقوسه الصباحية المعهودة بمجرد أن يرى أحدنا مقبلاً من الباب فينظر إلى ساعته بعين ويغمزنا بالأخرى ممططاً شفتيه :
- " وين ياسيدي ؟! .. هلّ هلالك ! .. صحّ النوم ! .. ) .
علماً بأن السيد المدير لم يكن ليأتي أبكر من الجميع لولا خوف فوات تلذذه واستمتاعه بهذه " الثقالة " .. وكأن السيد المدير نسي – أو تناسى – أن يلوم إضافة للومه أولئك الموظفين " الرقيق " لتأخرهم ، أن يلوم تلك الدولة العاجزة عن توفير وسائل المواصلات العامة الرخيصة والعملية بدل مجيء أغلبهم على الأقدام أو في حافلات " الربع دينار " .. كما نسي أو تناسى أن هذه الدراهم التي يتقاضاها الموظفون أصبحت أضحوكة العالم بأسره ، والذي شهد تضاعفاً للأسعار لعشرات المرات منذ آخر تعديل في القانون الليبي للمرتبات والأجور .. فالسيد المدير في العادة يركب سيارة الدولة ويمونها مجاناً بوقود الدولة وله مصادر مالية أخرى بديلة هي في الأغلب من أموال الدولة .. فكيف تستغرب منه الثقالة إذاً ؟ ..
.. في أثناء استغراقي وإبحاري في هذه الأفكار والخواطر يرن جرس الهاتف النقال في جيبي .. على شاشة الهاتف رأيت اسم زميلي في العمل .. أجبته :
- " آلو .. خير يا .... " .
قاطعني مبشراً إياي وهو يصيح :
- " المرتبات قالوا نزلن اليوم .. والله قالوا نزلن توا .... " .
قاطعته بدوري ضاغطاً على الزر الأحمر الذي ينهي المكالمة .. الفرحة تغمرني .. وقفت .. أخذت طريقي للمصرف وأنا أعدو ولسان حالي يقول :
- " با .. تي .. جا .. " .
.. ثم تذكرت أثناء الجري - وبعد ذهاب سَوْرة الفرح - أن الوقت لا يكفي للوصول إلى المصرف قبل نهاية الدوام .. وأن زميلي لم يعلم أصلاً بقصة إحالتي " للمركز الوطني " منذ أيام .. إضافة إلى أنني لم ألبس " شبشب " النايلون الذي خلعته عند العتبة ممدداً رجلي هناك ..
توقفت .. وعدت من منتصف الشارع أجر رجليّ جراً .. حافياً كما أطفال جارنا .. خائباً تماماً كخيبتهم .. وقبل أن ألج من الباب سمعت صوت جارنا الآخر وهو يناديني محاولاً أن يستفهم :
- " بو جار ؟ .. شنو الجو ؟ ) .

الخميس، يونيو 25، 2009

البطشة


( 1 )

الباب الخشبي موصدٌ ومقفل من الداخل .. المرفقان على سطح المنضدة .. فيما القبضتان معقودتان على جانبي الوجه كدعامتين للرأس المطرق .. وثقل الرأس على القبضتين أدى إلى شد طرفي الجفنين لأعلى ، حتى بدت عيناه مثل أعين الصينيين .. لاشيء يكسر صمت المكان ، خلا صوت المذياع يدندن خافتاً بأغنيةٍ قديمة ..

- لا يبدو العدو قريباً ..

قالها في نفسه ، وهو يحدق ساهماً في إحدى خرائط كتاب " مباديء الجغرافيا " الموضوع أمامه فيما كان يحاول المذاكرة .
بطريقةٍ لاإرادية ، وبحركةٍ آلية صرفة ، تناول المسطرة من مكانٍ ما على المنضدة ربما ، أو ربما تحتها لم ينتبه .. ثم تَمتمَ :

- حسناً .. نحن نقبع هنا .. والعدو يربض هناك ..

أخذ يقيس المسافة بين النقطتين .. بحسب مقياس الرسم أسفل الخريطة ، كانت تفصل بينه وبين العدو آلاف الأميال . تنفس بعمقٍ مستشعراً نوعاً من الأمن والطمأنينة .. راح يتأمل منبهراً كيف أن كل ملليمتر على هذه المسطرة الصغيرة، يمثل ما يعادل أضعافَ أضعافِ المسافة من (( البرَّاكة )) التي يقطنها إلى (( كاف العشَيْشِيَّة )) حيث يرعى الماعز كل يوم . وعند هذه اللحظة بالذات ، تذكَّر (( البطشة )) التي وجدها عند هذا العصر ملقاةً بين الأعشاب قرب الكاف . أخرجها من جيب سترته:

- هل يُعقل ..؟ أن المسافة من هنا إلى حيث وجدت هذه البطشة ، والتي أقطعها لاهثاً وراء القطيع على مدى أكثر من ساعتين كل يوم ، هي فقط هذه النقطة الدقيقة التي لاتكاد تُرى بالعين المجردة على المسطرة ..؟ لا عجب إذاً فيما أسمعهم يرددونه في المذياع من أن الكرة الأرضية قد أصبحت قريةً صغيرة ..!!؟

( 2 )

أخذ يُقلِّب البطشة بين أنامله متخيلاً أنها الكرة الأرضية . وراح يتخيل نفسه واقفاً عليها بذات النسبة الحقيقية بين حجم الإنسان والكوكب .. تأمل ملياً .. انشده .. هل يُعقل ..؟.. قرَّبها إلى وجهه محاولاً رؤية حجمه وهو واقف فوقها .. لم يرَ شيئاً .. قرَّبها أكثر .. احولّلت عيناه .. أخذه الفزع .. تلاحقت أنفاسه .. انتقع وجهه وهو يهمس :

- اللعنة .. كم هو عالمٌ صغير .. العدو ليس بعيداً إذاً .. نحن على البطشة ذاتها ..؟ .. ياساتر..

على الخريطة، رأى المسطرة وقد تحولت إلى جسرٍ عظيم ، يربط ما بين "البرّاكة" وعاصمة العدو . ورأى الدبابات تعتلي الجسر من جهة العاصمة اللعينة ، متجهةً إلى البرّاكة مصوبةً المدافع نحوها . أصواتها مرعبة .. الطائـرات كذلك أقلعت صـوب البرّاكة .. رصدها تقلع من إحدى القواعد على البطشة هذه المرة .. دوي الإنفجارات يزلزل أركان البراكة .. بيانات عاجلة عن وقوع غارات بدأت تصدر عن المذياع بدلاً من الموسيقى التي توقفت فجأة ، إضافةً إلى بيانات شجب واستنكار على لسان سكرتيرة فخامة الـ " ؟؟؟ " .. إلى أين سيهرب الآن .. ؟ انتصب واقفاً .. الزعيق والعويل يملآن المكان .. ماذا يفعل .. ؟ إنه مضطربٌ يشلُّه الخوف .. كيف سيدافع ؟ الحذاء .. أجل الحذاء .. (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة )) .. أمسك برقبة حذائه الموحل وجعل يدكُّ به البطشة .. ثم تردد :

- لا ذنب لستة مليارات من سكان الأرض فيما يقترفه العدو ، لأسحقهم بحذائي الموحل . سأسحق عاصمة العدو على الخريطة .. سأباغتهم من الخلف في عقر عاصمتهم بينما تزحف الدبابات والطائرات إلى هنا ..

بدأ يدك العاصمة بشراسة وعنف .. تطايرت الأشياء من فوق المنضدة .. اشتد الضجيج .. أزيز الطائرات وهدير الدبابات وصراخ الثكالى وأناشيد المذياع الحماسية ودعاء القنوت في المساجد .. استبد به الحماس .. واصل دك العاصمة ببسالة وهو يصيح :

- " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " .. الله أكبر .. الله أكبر .. " وليخسأ الخاسئون " ..

( 3 )

والده يصرخ خارجاً هو الآخر ، مزحزحاً الباب الموصد والمقفل من الداخل :
- أسكت .. أسكت ياابن الكلب .. هل هذا وقت مطاردة الفئران !؟ نريد أن ننام يا " بنادم " ..

السبت، مايو 23، 2009

وداعاً أيها الوطن المفدّى

( الشلماني التلميذ )
سأفتقدكم .. سأفتقد إلى نشوة الفرح الغامر عندما أطالع تعليقاتكم على خربشاتي .. سأفتقد إلى حميمية التواصل عبر هذا العالم الأثيري الألكتروني لتصافح أناملي أناملكم .. وكأن أناملنا تتلامس ويسري بينها دفء المودة عندما تلتقي على مفاتيح "الكيبورد" ..
.. ربما - ولأكثر من شهر كامل - سأغيب عنكم في هذه المدونة .. وستكون هذه الكلمات هي آخر ما سيعانق أحداقكم على بساطها اللازوردي .. لأنني سأتوجه قريباً جداً إلى (مصر) .. لقد حان وقت امتحانات الفصل الدراسي في الأكاديمية التي أواصل بها دراساتي العليا هناك .. في القاهرة .. أشعر بالشجن منذ الآن .. أمقت هذا الضعف بداخلي .. هذه الرقة .. غيري من الرفاق والأصدقاء يسافرون إلى أماكن أبعد وأنأى .. أكثر اختلافاً وأشد برودة وغرابة .. ومع ذلك يتجلدون ويصبرون .. لكن أنا لا أطيق مغادرة هذا الوطن ولو ليوم واحد .. ربما كان ذلك نوعاً من العجز والضعف كما قلت لكم .. لكن هذا هو الواقع ..
إن كان في العمر بقية من أيامٍ وليال ، فسنلتقي مجدداً .. إن كان ثمة فسحة أخرى من العمر ، فربما سأعود لأحدثكم وأصدّع رؤوسكم بثرثرتي التي أعلم أنها محببة إليكم ، فأنتم أحبتي الذين أسرّ إليهم بكل ما يعتلج في داخلي دون وجل ولا مواربة .. سأحدثكم عن مشاهداتي وانطباعاتي في سفرتي إلى أرض النيل والأهرام والأزهر ..
أنا الآن ( حايس ومتلخبط ) .. كتب ودفاتر ومذكرات .. بحوث وأوراق عمل .. حقائب وأمتعة .. أوراق وجوازات وتذاكر سفر .. حجرتي الصغيرة تحتضنني بجدرانها الأربعة مودعة إياي .. ذكريات طفولتي تتداعى إلى مخيلتي بغزارة ولست أدري لماذا .. أرقب عيني أمي وهما تدثراني بنظرات وادعة ملؤها الحب وهي تعدّ لي " السحلب والروّينة " .. أسرتي .. أطفال إخوتي .. مزرعتنا .. النخلة في حديقة بيتنا الأمامية .. المسجد .. يا الله .. كم أنا ضعيف أمام حب هذه الأرض وما ومن عليها ..
أرجوكم أحبتي .. لا تنسوا أخاكم من الدعاء .. فأنا أحوج ما أكون إليه الآن .. كلما مررتم من هنا ورأيتم صورتي أو قرأتم كلماتي فقولوا : ( ربي يوفقك يا عبدالله ) .. إن غبت أنا عنكم فلا تغيبوا أنتم عن ( إرشيف الزمن ) .. ستكون تعليقاتكم ورسائلكم خير مؤنس لي في غربتي .. غربتي !؟ .. أكاد أسمعكم الآن وأنتم تتعجبون قائلين : " غربة شني اللي في مصر يا شلماني وأنت تغرق في شبر ماء ؟ " ..
لله در أحمد رفيق المهدوي إذ يقول :
فـــراقك عـــــزّ عليّ جـــــداً ** وداعاً أيها الوطن المفدّي
وداع مفارق بالرغم شاءت ** له الأقدار نيل العيش كدّاً
استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه ..
إلى اللقاء بعد شهر .. بإذن الله ..

الأربعاء، مايو 20، 2009

وجئتكم من درنة بنبأ يقين

( جانب من الحضور وتظهر 1- حواء القمودي 2- عاشور بوشوق وآخرون )
مهرجان إيراهيم الأسطى عمر الأول للفكر والفنون الذي نظمته جمعية بيت درنة الثقافي .. هذا الحدث الذي أثار عواصف وزوابع على الساحة الثقافية الليبية حتى قبل أن يبدأ .. صراع المؤسسة الرسمية للثقافة التي تفرض نفسها راعياً أوحداً ( لا شريك له ) للحراك الثقافي ، ومؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي - ممثلة في بيت درنة الثقافي - والتي تناضل للحصول على دور في ذات الحراك .. مقالة نارية تنعت بأوصاف ومضامين واتهامات التخوين والعمالة والتسويق لأجندات خارجية كل القائمين على تنظيم المهرجان نشرت في صحيفة الشمس - الرسمية - تستبق المهرجان بأيام دون أن تحمل اسم كاتبها .. وردود لا تخلو من الحدة والجرأة وردت في مواقع ألكترونية ليبية على ألسنة وأقلام بعض أولئك المنظمين للمهرجان .. ونقطة الخلاف هي اشتراط المؤسسة العامة للثقافة لكي تنفق على المهرجان استثناء جزء من أنشطة المهرجان وهو ندوة عن دور مؤسسات المجتمع المدني ، مما دفع بالمنظمين للبحث عن تمويل من غير تلك المؤسسة - وهو الذي حدث - فكان الذي كان من هذا اللغط ..
في الواقع كنت أنوي حضور فعاليات المهرجان منذ البداية .. ولكن وبعد هذا الشد والجذب أصبح حضوري للمهرجان أمراً ملحاً أكثر وأكثر .. إنه الفضول للإطلاع عن كثب .. شحنت "كاميرتي" الرقمية الصغيرة وجهاز الكمبيوتر المحمول وحزمت حقيبة الظهر وتوجهت إلى هناك .. إلى درنة
( 1- سالم العوكلي 2- هشام الشلوي 3- أحمد الفيتوري )
لم أجد هناك شيئاً غير اعتيادي .. أصبت بالخيبة إلى حد ما .. لا أدري .. ربما لأنني كنت أتوقع أن الأحداث ستكون أكثر دراماتيكية .. هكذا .. تتوقع الإثارة فتتفاجأ بالعكس .. ربما ترون شيئاً من السطحية في هذا الطرح .. لكنني كنت صريحاً معكم في وصف ما شعرت به .. أحياناً يطفو على السطح سلوك الأطفال في داخلنا .. هذا هو الواقع .

( 1- عبدالقادر الدرسي 2- سالم بن زابيه )
مهرجان عادي وبسيط وجميل في مراسمه وأماكن مناشطه .. أما المناشط ذاتها فهي لا تختلف عن مثيلاتها المعهودة في بقية المهرجانات والمحافل الثقافية الأخرى في ليبيا .. أمسيات شعرية ، قراءات نقدية ، عروض مسرحية ، معارض فنية لصور ولوحات ، وشخصية للمهرجان ( الأستاذة الراحلة المربية فتحية عاشور ) .. حتى ندوة مؤسسات العمل المدني التي قامت الدنيا من أجلها ولم تقعد لم تأت بجديد - من وجهة نظري على الأقل - يضاف إلى ما عندنا حول موضوعها .. المميز حقاً وفعلاً في هذا المهرجان كان هو لطف وكرم ( الدراونة ) .
( 1- عبدالله الشلماني 2- محمد الشلطامي )
تنظيم رائع تلفه وتدثره الحميمية إلى حد كبير .. لم أكن مدعواً رسمياً .. فأنا وكما تعرفون ( راقد ريح ) .. لكنني أصررت أن أسافر إلى درنة وأسكن وآكل وأتنقل على نفقتي الخاصة .. وقد كنت سعيداً بذلك برغم ( رقادة الريح ) .. لكن ما آلمني وجرحني في العمق هو تجاهل بعض من كنت أظنهم أصدقاء لوجودي .. لا ألومهم بل وألتمس لهم العذر .. ربما اعتقدوا أنني سأتطفل عليهم وأتملقهم لأحصل على غداء مجاني أو مبيت بالفنادق المخصصة لهم .. وللأمانة أقول : هم قلة .. أقل من أصابع اليد الواحدة " التي بترت منها ثلاثة أصابع " .. أخذتني الكبرياء إلى مكان قصي من العزلة عنهم .. تجاهلتهم بدوري .. قلت في نفسي ( عزّ نفسك يعزّها الله ) ..

( 1- علي أحمد سالم 2- أحمد يوسف عقيلة )
أجمل ما في هذه الملتقيات هو اكتساب الأصدقاء الجدد ( بدل من نفقدهم على الأقل ) .. تعرفت على كثيرين وتعرفوا هم عليّ .. تبادلنا العناوين والهواتف .. تناقشنا وتطارحنا الكثير من قضايا الوطن وهموم الفكر والثقافة والأدب .. تلاقحت أفكارنا وتمازجت فعدنا إلى بيوتنا بتجربة وبخبرة أكثر عمقاً ..

( الشلماني يصافح بوشوق في طريق مغادرته للمكان )
قلت لكم في البداية أنني لم ألاحظ شيئاً غير اعتيادي .. لكنني أعترف أن المهرجان حدث أتمنى تكراره في درنة وفي بقية مدننا وقرانا الرائعة على امتداد تراب هذا الوطن .. لأنه نوع من إيجاد وعي وحس بالإنتماء لدى الناس .. نوع من خلق الذائقة الجمالية عند النشء .. ترسيخ واقعي وعملي لمفهوم الثقافة والفكر والمعرفة والفن في ذاكرة ووجدان المجتمع .

( 1- علي الربيعي 2- أمين مازن . ويظهر في الخلفية : فوزي بن كاطو )
هناك أمر آخر لاحظته لا يقل مرارة عن تجاهل من كنا نظن لوهلة أنهم أصدقاء .. إنه التعالي والعجرفة عند البعض الآخر ممن حسبنا يوماً أنهم كبار .. سبحان الله .. كم تتهاوى القامات السامقة عند انزلاقها في هوة التكبّر .. قرأنا لهم فأحببناهم من كل قلوبنا .. التقيناهم فنزلوا في أعيننا من علياء سمو المحبة إلى حضيض قعر الإزدراء .. ليتني بقيت قارئاً لهم وحسب .. ليتني لم ألتقهم .. بل الأصح أن أقول : ليتهم لم يكونوا كذلك .. ترى هل خلقت أيها الأديب من طينة غير التي خلق منها ( آدم ) ؟ .. أبلغت شأواً في المعرفة يدفعك لعدم مخالطة الدهماء كي لا تصيبك عدوى جهلهم ؟ .. أم تراك صرت أكبر من الوطن وأهله ؟ .. ( اللهم لا تجعلني منهم ) ..
( حفل الإختتام 1- أمين مازن 2- راشد الزبير السنوسي 3- أحمد الغزواني . وآخرون )
تلاحظون أنني لم أتناول بشكل متخصص أياً من نشاطات المهرجان .. لم أسجل لكم انطباعات عن لوحة أو صورة .. لم أورد قراءة في قصيدة أو أدلي برأي في موضوع نقاش فكري أو عرض مسرحي .. ربما ستجدون ضالتكم بهذا الخصوص في أماكن ومواقع أخرى أكثر دقة وتخصصاً وأوسع مساحة .. كل ما أردت أن أفعله هنا هو أن آخذكم إلى هناك .. إلى درنة .. أن أفتح لكم نافذة صغيرة تطلون من خلالها على الحدث من زاوية مختلفة .

( مدخل بيت درنة الثقافي .. مبنى كنيسة إيطالية بمدينة درنة القديمة )

منذ أن بدأت بالإحتكاك بالملتقيات والمحافل الفكرية والثقافية في بلادنا منذ فترة ، وأنا أتفاجأ في كل مرة بأمر يصدمني .. إما سلباً أو إيجاباً .. لكنني اكتسب في كل مرة المزيد من المعرفة والخبرة كما قلت آنفاً .. أستطعت أن أكون إلماماً كافياً بالتركيبة المعقدة ( لإثنوغرافيا ) الثقافة في بلدي إن جاز التعبير .. هل تعلمون أن المثقفين عندنا " أقصد أغلبهم " ينتمون لإثنيات وعصبيات ونعرات متباينة ومتشاكسة ولكنها فكرية وليست عرقية ؟ .. في مهرجان الأسطى الأول بدرنة أيضاً تجلت تناقضات ومشاكسات هذه التركيبة المعقدة .. حتى بين مثقفي درنة أنفسهم .. نصفهم غاب عن المهرجان احتجاجاً على النصف الآخر الحاضر .. ومع ذلك يبقى مهرجان درنة موعداً للفرح نتمنى أن نرى نسخته الثانية في العام المقبل .. إستمعنا إلى قصائد رقيقة .. تناقشنا في قضايا هامة .. شاهدنا ألواناً زاهية ولوحات وصوراً رائعة وعروضاً محترمة .. التقينا .. وذلك هو المهم .


( في داخل البيت الثقافي . والشلماني وبن زابيه في آخر الصورة )

رجعت لبيتنا وفرّغت الصور على الحاسوب وأعطيتكم عينة منها .. أتمنى أن تعجبكم .. حاولت أن أتجول بكم هناك .. لعلي أكون قد وفقت ولو قليلاً .. أعرف أن معظم ثرثرتي السابقة كانت انطباعات شخصية ومشاعر خاصة .. لكنها تظل جزءاً من الحدث .. أليس كذلك ؟

إلى اللقاء قريباً ..

السبت، مايو 16، 2009

عصفور المقهى ( قصة قصيرة )

( إلى حمد بن رحومة )
( أخي الذي لم تلده أمي )
بقلم / عبدالله الشلماني

( 1 )

... طابورٌ طويلٌ من ( الخرّازين ) السودانيين على الناصية قُبالة المقهى في ساحة سوق (( الجمهورية )) . كلٌ منهمكٌ في ما بين يديه من الأحذية البالية ، محاولاً إصلاح ما أفسده طول المسير . " القهواجي " المصري جالسٌ على صندوق مشروب " البيبسي " الفارغ أمام التلفاز ، يُشاهد موقعةً حامية الوطيس بين الأهلي والزمالك ، في انتظار زبون ربما يدخل طالباً شطيرة " دحي بالتن " ..

كلُ شيءٍ في المقهى يوحي بالعدم .. بالموت .. باللاروح .. جدران متصدعة أكلتها الرطوبة . مناضد ومقاعد بلاستيكية متناثرة بغيرما انتظام . أرضية صلدة من البلاط الخشن سيء الصنع . وبضع اسطوانات غازٍ فارغةً عند الزاوية خلف ضلفة الباب المعدني الصّدئ . وعلى ذات الضلفة من الخارج عبارة مكتوبةٌ هكذا باللهجة المصرية : " خود راحتك يازمن ". لاأثر للحياة هنا .. لانبض ..!. لاألوان ..!. لادفء ..!. الجماد لوحده هو العنوان الذي يختزل الحيِّز واللحظة في آن معاً ..

( 2 )

... فجأةً يتغير كل شيء .! تعود الألوان إلى الصورة الباهتة .. تبتسم الجمادات في المقهى .. ترتعش .. تسري فيها روحٌ خفيةٌ تكاد أن تجعلها تتنفس .. حتى أسلاك الكهرباء المتشابكة في فوضىً عارمة والمتدلية من مؤخرة السقف ، توشك أن تتحول إلى أغصان نضرة لعريشةٍ حُبلى بالعناقيد . كل هذا حدث أمامي في لحظةٍ واحدة . لحظةَ أن ولج إلى المقهى كائن صغير بحجم قبضة اليد .

( 3 )

هكذا هي بعض الكائنات .. تُحيل الجحيم إلى جنةٍ بمجرد حلولها فيه . والعكس صحيح .. " الفضيل بوراغب " ، ذلك العجوز من مدينة (( مطروح )) ، والذي عمل ردحاً من الزمن راعياً لقطيعنا , يعتبر من تلك الكائنات التي تبعث الحياة في الأشياء . في ذلك اليوم منذ أعوامٍ خلت رأيته يفعل ذلك .. يومها ، إستأجرنا شاحناتٍ مخصصةً لنقل المواشي لكي تنقُل قطيعنا إلى الصحراء الجنوبية . هرباً من صقيع شتاء الساحل وطلباً للكلأ في تلك التخوم .

حين وصلنا إلى هناك ، كانت جلبة نباح الكلاب ، وسِباب سائقي الشاحنات ، والإنهماك في إنزال النعاج والعلف والأمتعة ، والعكوف على بناء الخيمة الصغيرة ، كل ذلك ، شكَّل غلالة سرابية من الغفلة لم ننتبه معها إلى شيء . ولكن .. وفور مغادرة الشاحنات والفراغ من توظيب الأمتعة ، تلاشت تلك الغلالة كاشفةً لنا عن وجه الصحراء القبيح .. حيث أطبق الصمت .. والسكون .. مفسحاً المجال لنشيجٍ مفجعٍ للريح ..

.. الوجوم بدا على الجميع .. حتى النعاج والحملان ، بدا عليها الإحساس بالشجن والغربة ، فأخذت تحدق إلينا ناصبةً آذانها الصغيرة وهي تثغو باستجداءٍ يثير الشفقة . ومما زاد من وحشة المكان ، أُفول قرص الشمس إلى الأفق الغربي وراء التلال المجدبة ، فأضفت العتمة شيئاً من الرهبة على المشهد .. وفجأةً كما في المقهى ، تبدَّى لنا وجه " بوراغب " على وميض ألسنة اللهب .. التي انبثقت من نارٍ طفق يسجرها لإعداد الشاي ، بتجاعيده وابتسامته الودودة التي نادراً ما كانت تفارق مُحياه .
حول النار ، تحلقنا معه نتسامر و نحتسي كؤوس الشاي الأخضر " المنعنع " ونتجاذب أطراف الحديث .. عندها تغير كل شيء .. أُنسٌ غريب بدَّد مااعترانا من وجوم .. عندها فقط .. شعرنا أن الحياة قد عادت إلى الصحراء . وأن شيئاً من الأُلفة والحميمية معها بدأتا تأخذان مكان الرهبة والوحشة . وعندها فقط .. خالجنا إحساسٌ بأن الصحراء قد تبدّلت إلى مروجٍ بهيجةٍ تعبق بالأريج .

( 4 )

إن ذلك العصفور الصغير بحجم قبضة اليد ، والذي راح يزقزق ويتقافز على الأرضية الصلدة ، إستحال معه كل شيءٍ في المقهى إلى فرحٍ غامر . تماماً مثلما استحالت الصحراء مع " الفضيل بوراغب " . وليس ثمةَ من شكٍ أن تلك الصحراء قد رجعت مواتاً ويـباباً كمثل ماكانت عليه حين غاب عنها " بوراغب " منذ سنواتٍ عائداً إلى مطروح .. مبعثُ هذا اليقين عندي ، هو أنني قد رأيت كل شيءٍ في المقهى قد رجع إلى مثل ما كان عليه ، بمجرد أن طار عنه العصفور الصغير مرفرفاً إلى حيث الزُرقة والإتساع ..!!

الأربعاء، مايو 13، 2009

( فنجان قهوة ) بقلم / عبدالله الشلماني

( الشلماني وحبيبته بين يديه )
لا يمكنني أن أتخيل حياتي بدون فنجان القهوة .. إنه رفيقي الدائم .. البعض قد يتخذون رفاقاً من نوع آخر .. نوع سيء جداً .. سيجارة مثلاً .. أو أنواع أخرى أكثر سوءً أنتم تعرفونها جيداً ( عافاني الله وإياكم منها ) .. أما أنا ففنجان القهوة - وإن كان سيئاً عند بعض الأطباء – فهو يمثل لي ورغم ذلك عنوان كل صباح .. لدرجة أنني أصبحت في كثير من الأحيان أجد عناءً في البحث بالمحلات و( السوبرماركتس ) ودكاكين العطارة عن أنواع فاخرة من "البن" تتناسب ومزاجي الدقيق في شرب القهوة .. أختار بعناية أنواعها ونكهاتها وأمكنة صنعها بل وأتكلف مالاً جراء ذلك ..
وبسبب ولهي وتعلقي بالمطالعة والكتابة واللتين أتفرغ لهما في الليل عادة طلباً لهدوء المساءات وسكينتها ، فإن القهوة تمسي حينذاك من الضرورات واللوازم .. فتجدونني أتوجه إلى المطبخ في آخر الليل لأغلي القهوة ، وربما تسببت بالضوضاء وأزعجت النيام من أهل البيت عندما تسقط مجموعة من الأواني على الأرض أو عندما أبحث عن أعواد الثقاب فأقلب المطبخ رأساً على عقب .. وكم ضحكت عندما عدت إلى البيت ذات يوم فوجدت شقيقي قد اشترى لي موقداً صغيراً ( بريموس ) وقال لي :

- " طيّب قهوتك في حجرتك وفكّنا من إزعاجك " .

قهوة " العشية " بالنسبة لي أولوية قصوى .. وعندما أكون صائماً في شهر رمضان أو غيره فالفنجان بجوار التمر والماء .. أشاهد التلفزيون أحياناً فيأتي مشهد أو صورة عابرة لقهوة أو شخص يشرب القهوة فتتحرك عواطفي تجاهها وأطالب من بجانبي أن يعد لي فنجاناً ..عندما أسافر آخذ معي مقداراً من ( البن ) تحسّباً لئلا أجد ما يناسب مزاجي منه في المكان الذي أسافر إليه .. وعندما أزور بعض الأصدقاء أو الأقارب ويقدمون لي قهوتهم – والتي نادراً ما تعجبني – أرى في عيونهم ترقّباً وعلى شفاههم ابتسامةً بانتظار تعليقي على مذاقها ، لأنهم جميعاً يعرفون قصتي مع القهوة .. لا أدري ما إذا كان عشقي للقهوة شقاءً وعذاباً أم هو متعة وانسجام .. المهم أنني أعشقها وحسب .. هل تعلمون أنني أكتب الآن هذه السطور والفنجان بجانبي ؟ .. بعد إذنكم ..لقد برد الفنجان وعلىّ الآن أن أسخنه .. " ع البريموس " ..!! إلى اللقاء ..